The Verificat + رويترز
البرميل يسجل أعلى مستوى في ستة أسابيع مع تصاعد المخاوف
سجلت أسعار النفط أعلى مستوياتها في ستة أسابيع مع اتساع نطاق التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ما زاد من احتمال اضطراب إمدادات الطاقة عبر الخليج وجعل الأسواق تسعر مخاطر تصعيد أوسع حتى قبل ظهور دليل قاطع على نقص مادي في الإمدادات.
بحلول تعاملات السابع من سبتمبر، صعد خام برنت إلى نحو 97.31 دولاراً للبرميل بعد أن لامس خلال الجلسة 98.06 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ 24 يوليو، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 92.65 دولاراً.
أتي هذا الارتفاع على وقع جولة جديدة من المواجهات البحرية والتهديدات المتبادلة، ومع إعلان إيران نيتها فرض منطقة إضافية مقيدة للملاحة قرب مضيق هرمز وتحذيرها من إمكان استهداف منشآت طاقة في المنطقة رداً على أي ضربات أميركية جديدة.
المؤكد حتى الآن أن علاوة المخاطر الجيوسياسية ارتفعت بقوة. أما حجم النقص الفعلي في صادرات النفط العالمية، فلا يزال أقل وضوحاً من حركة الأسعار نفسها.
وهذه نقطة أساسية: السوق لا تنتظر أن تختفي ملايين البراميل فعلياً قبل التحرك، بل تسعّر احتمال اختفائها.

الخوف نفسه أصبح سلعة
تعكس أسعار النفط في الوقت الراهن توقعات ما قد يحدث لاحقاً، لا حجم الإمدادات المتاحة الآن فقط.
حوادث مثل استهداف ناقلة أو هجوم على سفينة حربية أو إعلان دولة لمنطقة بحرية مقيدة تثير فوراً تساؤلات لدى المتعاملين حول احتمال تأخر الشحنات، وارتفاع أقساط التأمين، وضرورة تغيير مسارات السفن، ومخاطر تعرض منشآت الإنتاج أو التصدير.
كل عنصر من هذه العوامل يضيف إلى ما يسميه السوق بـعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يفسر كيف يمكن للنفط أن يرتفع بشكل حاد قبل حصول انقطاع واسع في الإنتاج.
الحساسية الحالية أكبر لأن التوتر يتمركز حول الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي تهديد للملاحة قابلاً للتحول سريعاً إلى صدمة سوقية.
هرمز يعيد كتابة حسابات السوق
المراقبة الآن لا تقتصر على مستوى الإنتاج الإيراني فحسب، بل تمتد إلى قدرة ناقلات النفط على التحرك عبر المنطقة بأكملها.
التطورات الأخيرة أدت إلى تراجع حركة الشحن عبر المضيق ورفع تقدير مخاطر النقل البحري، مع تهديدات إيرانية بمزيد من القيود على المرور.
وبالتالي فإن المشكلة المحتملة تشمل ليس فقط كمية البرميل المُنتج، بل أيضاً إمكانية الوصول إليه ونقله وتأمينه وتسليمه.
فالنفط المخزون لا يؤدي دوره الاقتصادي إذا صار نقله إلى المشترين بطيئاً أو شديد الخطورة أو مكلفاً.
ومن هنا يدخل التأمين البحري في حساب تكلفة الحرب على الأسعار.
أوبك+ تختار الانتظار
وسط هذه الأجواء، قررت مجموعة أوبك+ في اجتماعها في السادس من سبتمبر الإبقاء على سياسة الإنتاج الحالية لشهر أكتوبر من دون تغيير، بدلاً من ضخ كميات إضافية بشكل فوري إلى السوق.
يحمل القرار رسالة حذرة: المنتجون يتجنبون التحرك السريع استناداً إلى ارتفاعات قد تعكس جزءاً منها مخاوف مؤقتة، كما أن زيادة الحصص الاسمية لا تضمن وصول كميات مماثلة من البراميل الفعلية إلى السوق.
تشير بيانات الإنتاج إلى وجود فجوة بين بعض الأهداف المعلنة والإنتاج الفعلي داخل المجموعة، بينما تتجه الأنظار إلى إعادة تقييم قدرات الدول الأعضاء قبل تحديد حصص 2027.
بناءً على ذلك، بدا أن أوبك+ فضلت مراقبة تطورات السوق بدلاً من محاولة إخماد صدمة الأسعار فوراً، مع الإقرار بأن هذا الحساب قد يتغير بسرعة إذا تحولت المخاطر الجيوسياسية إلى فقدان مستمر للإمدادات.
المخزونات الأميركية لا تمنح السوق راحة كاملة
أضفت أوضاع مخزونات الوقود في الولايات المتحدة مزيداً من الحساسية للمشهد.
أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات الخام بمقدار 4.5 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس إلى نحو 424.5 مليون برميل، مصحوبة بنشاط مضطرد في المصافي وارتفاع الصادرات. كما تراجعت مخزونات البنزين، بينما بقيت مخزونات المقطرات في مناطق معينة، وخصوصاً الساحل الشرقي، عند مستويات شديدة الانخفاض.
وفي موازاة ذلك، لامست أسعار الديزل الأميركية مستويات قياسية نتيجة ضغوط من اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وهجمات أوكرانية على مصافي روسية.
هذه الخلفية تقلص هامش التهدئة في الأسواق أمام أي تهديد جديد: كلما كانت مخزونات المنتجات منخفضة، قلت المسافة الفاصلة بين صدمة في الإمدادات العالمية وارتفاع ملموس في أسعار الوقود للمستهلك.
الحرب تصل إلى الشاحنات والطائرات والمصانع
تأثير ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر على محطات الوقود، بل يمتد إلى النقل البري والطيران والشحن البحري والقطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
تكاليف أعلى للوقود والتأمين ترفع نفقات شركات الشحن، وتزيد فاتورة المصانع للطاقة والنقل، ما ينعكس بدوره على تكلفة استيراد البضائع وتسعيرها لدى التاجر والمستهلك.
ومن ثم يمكن لارتفاع مستمر في أسعار الطاقة أن يترجم إلى موجة تضخمية أوسع، حتى عندما لا يكون النفط مكوّناً مباشراً في المنتج النهائي.
وقد بدأت هذه المخاوف تضغط على الأسواق العالمية، إذ أدى صعود أسعار النفط إلى تجدد القلق من التضخم واحتمال إبقاء البنوك المركزية سياسات نقدية أكثر تشدداً.
المنتجات المكررة ترسل إنذاراً أشد
ليس دائماً خام برنت هو الأخطر في السوق؛ فأسعار بعض المنتجات المكررة تشهد ارتفاعات أقوى نتيجة أضرار لمصافٍ في روسيا والشرق الأوسط واضطراب حركة الناقلات.
نقلت رويترز تقديرات تفيد بأن إمدادات زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء قد تواجه عجزاً بنحو 218 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث، بينما انخفضت صادرات زيت الوقود من الشرق الأوسط بين مارس وأغسطس بحوالي 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
هذه الإشارات مهمة لأن نقص المنتجات المكررة يمكن أن يرفع تكاليف النقل حتى لو بقيت إمدادات الخام العالمية قادرة على الصمود.
بمعنى آخر، يمكن ألا ينقطع النفط، لكن يصبح تحويله ونقله واستخدامه أكثر تكلفة بكثير.
الأسواق العالمية تبدأ بإعادة التسعير
انعكست صدمة الطاقة على أصول أخرى: الأسهم تعرضت لضغوط مع تزايد القلق من التضخم، فيما واجهت عملات الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً إضافية. وذكر متعاملون أن البنك المركزي الهندي تدخل لدعم الروبية مع اقتراب برنت من أعلى مستوياته في ستة أسابيع.
في أسواق الخليج، أصبحت حركة البورصات أكثر حساسية لأي خبر متعلق بإيران أو هرمز أو منشآت الطاقة، ما أظهر أن الأزمة تجاوزت حدود سوق العقود الآجلة للنفط.
ما هو المؤكد؟
FACT: خام برنت بلغ أعلى مستوى له في ستة أسابيع وتجاوز خلال الجلسة 98 دولاراً قبل أن يتداول قرب 97 دولاراً، بينما اقترب الخام الأميركي من 93 دولاراً.
FACT: التصعيد الأميركي الإيراني والتهديدات المرتبطة بالملاحة والطاقة كانا من العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الأسعار.
FACT: أوبك+ أبقت سياسة إنتاج أكتوبر دون تغيير.
FACT: أسواق الوقود الأميركية تعاني مخزونات محدودة في بعض المنتجات، بينما وصلت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية.
ANALYSIS: لا يمكن حتى الآن مساواة ارتفاع السعر بحجم انقطاع فعلي في الإمدادات. جزء مهم من الحركة الحالية هو تسعير لاحتمال أن تصبح الأزمة أسوأ.
97 دولاراً ليست القصة الأخيرة
المسألة الحاسمة للمسار المستقبلي لأسعار النفط ليست ما إذا بلغ برنت 97 أو 98 دولاراً الآن، بل ما إذا كانت المخاوف ستتطور إلى فقدان طويل للإمدادات أو تعطيل مستمر للملاحة.
إذا بقيت الاشتباكات محدودة واستمرت الناقلات في العبور، فربما تنكمش علاوة المخاطر بسرعة.
أما إذا اتسعت الهجمات على السفن أو منشآت الطاقة وتفاقمت القيود في هرمز، فسيبدأ السوق بالتحول من تسعير الخوف إلى تسعير النقص الفعلي.
وهنا يصعب تقدير سقف الأسعار. أشار محللو غولدمان ساكس إلى سيناريو قد يدفع النفط نحو 120 دولاراً للبرميل إذا استمرت الهجمات على حركة الشحن وأدت إلى اضطرابات أعمق.
الاقتصاد العالمي يقرأ الحرب هذه المرة عبر البرميل: وكلما اقترب الخطر من ناقلات النفط وممرات الخليج، أصبحت المسافة أقصر بين الصاروخ والتضخم، وبين المعركة وفاتورة المستهلك.
